محمد بن جرير الطبري

19

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

كما لا تخفي السمة على الخرطوم . وقال قتادة : معنى ذلك : شين لا يفارقه آخر ما عليه ، وقد يحتمل أيضا أن يكون خطم بالسيف ، فجمع له مع بيان عيوبه للناس الخطم بالسيف . ويعني بقوله : سَنَسِمُهُ سنكويه . وقال بعضهم : معنى ذلك : سنسمه سمة أهل النار : أي سنسود وجهه . وقال : إن الخرطوم وإن كان خص بالسمة ، فإنه في مذهب الوجه ، لأن بعض الوجه يؤدي عن بعض ، والعرب تقول : والله لأسمنك وسما لا يفارقك ، يريدون الأنف . قال : وأنشدني بعضهم : لأعلطنه وسمالا يفارقه * كما يحر بحمى الميسم النجر والنجر : داء يأخذ الإبل فتكوى على أنفها . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : إِنَّا بَلَوْناهُمْ أي بلونا مشركي قريش ، يقول : امتحناهم فاختبرناهم ، كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ يقول : كما امتحنا أصحاب البستان إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ يقول : إذ حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا وَلا يَسْتَثْنُونَ ولا يقولون إنشاء الله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن سماك ، عن عكرمة ، في قوله : لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ قال : هم ناس من الحبشة كانت لأبيهم جنة كان يطعم المساكين منها ، فلما مات أبوهم ، قال بنوه . والله إن كان أبونا لأحمق حين يطعم المساكين ، فاقسموا ليصرمنها مصبحين ، ولا يستثنون ، ولا يطعمون مسكينا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ قال : كانت الجنة لشيخ ، وكان يتصدق ، فكان بنوه ينهونه عن الصدقة ، وكان يمسك قوت سنته ، وينفق ويتصدق بالفضل ؛ فلما مات أبوهم غدوا عليها فقالوا : لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ . وذكر أن أصحاب الجنة كانوا أهل كتاب . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا الآية ، قال : كانوا من أهل الكتاب . والصرم : القطع ، وإنما عنى بقوله لَيَصْرِمُنَّها ليجدن ثمرتها ؛ ومنه قول امرئ القيس : صرمتك بعد ما تواصل دعد * وبدا لدعد بعض ما يبدو القول في تأويل قوله تعالى : فَطافَ عَلَيْها . . . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ يقول تعالى ذكره : فطرق جنة هؤلاء القوم ليلا طارق من أمر الله وهم نائمون ، ولا يكون الطائف في كلام العرب إلا ليلا ولا يكون نهارا ، وقد يقولون : أطفت بها نهارا . وذكر الفراء أن أبا الجراح أنشده : أطفت بها نهارا غير ليل * وألهي ربها طلب الرخال والرخال : هي أولاد الضأن الإناث . وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني سليمان بن عبد الجبار ، قال : ثنا محمد بن الصلت ، قال : ثنا أبو كريب ، عن قابوس ، عن أبيه أب جد سعد ، قال : سألت ابن عباس ، عن الطوذفان فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ قال : هو أمر من أمر الله . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمى ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ،